أبي حيان الأندلسي

604

البحر المحيط في التفسير

من هداه سبل الخير اهتدى * ناعم البال ومن شاء أضل وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ هذا يدل على أن ما أراد اللّه فعله فهو كائن لا محالة ، وان إرادة غيره غيره مؤثرة ، وهو تعالى المستأثر بسر الحكمة فيما قدّر وقضى من خير وشر ، وهو فعله تعالى . وقال الزمخشري : ولكنّ اللّه يفعل ما يريد من الخذلان والعصمة ، وهذا على طريقة الاعتزالية . قيل : وتضمنت هذه الآية الكريمة من أنواع البلاغة : التقسيم ، في قوله : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ بلا واسطة ، ومنهم من كلمه بواسطة ، وهذا التقسيم اقتضاه المعنى ، وفي قوله فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وهذا التقسيم ملفوظ به . و : الاختصاص ، مشارا إليه ومنصوبا عليه ، و : التكرار ، في لفظ البينات ، وفي وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا على أحد التأويلين . و : الحذف ، في قوله مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ أي كفاحا وفي قوله يَفْعَلُ ما يُرِيدُ يعني من هداية من شاء وضلالة من شاء . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه لما ذكر أن اللّه تعالى أراد الاختلاف إلى مؤمن وكافر ، وأراد الاقتتال ، وأمر به المؤمنين ، وكان الجهاد يحتاج صاحبه إلى الإعانة عليه ، أمر تعالى بالنفقة من بعض ما رزق ، فشمل النفقة في الجهاد ، وهي ، وإن لم ينص عليها ، مندرجة في قوله : أنفقوا ، وداخلة فيها دخولا أوليا ، إذ جاء الأمر بها عقب ذكر المؤمن والكافر واقتتالهم ، قال ابن جريج ، والأكثرون : الآية عامّة في كل صدقة واجبة أو تطوع . وقال الحسن : هي في الزكاة ، والزكاة منها جزء للمجاهدين ، وقاله الزمخشري ، قال : أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق ، لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه ، ولا خلة حتى تسامحكم أخلاؤكم به ، وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمتكم من الواجب لم تجدوا شفيعا يشفع لكم في حط الواجبات ، لأن الشفاعة ثمّ في زيادة الفضل لا غير ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أراد : والتاركون الزكاة هم الظالمون ، فقال : والكافرون ، للتغليظ ، كما قال في آخر آية الحج : ومن كفر ، مكان : ومن لم يحج ، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار ، في قوله وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ « 1 » انتهى كلامه .

--> ( 1 ) سورة فصلت : 41 / 6 و 7 .